فخر الدين الرازي

144

الأربعين في أصول الدين

وأما القول الثاني الّذي اختاره « أبو علي بن سينا » فنقول : انه باطل ويدل عليه وجوه : الأول : ان الوجود من حيث إنه وجود ، مفهوم واحد على ما دلت عليه الدلائل ، ووافقنا فيه « أبو علي بن سينا » وأيضا : هذه المسألة متفرعة على هذا القول . فنقول : الوجود من حيث إنه وجود اما أن يقتضي أن يكون عارضا الماهية ، أو يقتضي أن لا يكون عارضا لماهية ، أو لا يقتضي لا أن يكون عارضا ولا أن يكون غير عارض ، بل الأمر ان جائزان عليه . فان اقتضى الوجود من حيث إنه وجود ، أن يكون عارضا لماهية من الماهيات ، وجب أن يكون وجود واجب الوجود عارضا الماهية من الماهيات . فقوله : أنه وجود مجرد ، غير عارض الشيء من الماهيات : قول باطل . وما ان اقتضى الوجود ، أن يكون غير عارض الشيء من الماهيات ، وجب أن لا يكون شيء من الوجودات عارضا لشيء من الماهيات البتة . فهذه الممكنات اما أن لا تكون موجودة أصلا ، وان كانت موجودة كانت وجوداتها نفس ماهياتها . فيكون لفظ الوجود واقعا على الموجودات بالاشتراك اللفظي ، لا بالاشتراك المعنوي . وقد بينا أن ذلك باطل ، وأن هذا البحث متفرع على أن لفظ الموجود واقع على الواجب والممكن بالاشتراك المعنوي . وأما ان قلنا : الوجود من حيث إنه وجود لا يقتضي أن يكون عارضا لماهية ، ولا أن يكون غير عارض لها . فحينئذ يمتنع أن يصير عارضا أو غير عارض ، الا لسبب منفصل . فوجود واجب الوجود لا يصير مجردا الا بسبب منفصل ، فيكون واجب الوجود لذاته ، واجب الوجود لغيره . وهو محال . وأيضا : قد عرفت أن الماهيات المتساوية في تمام تلك الماهية ، كل ما صح على كل واحد منها ، صح على كلها . فاذن كل ما صح